أخر الاخبار

حين يختزل المثقف الوطن في ادارة.

 الدولة بين اركان الخلود وعوارض التبديل.

من المثير للدهشة حقاً أن يقع "المثقف" في فخ الخلط المفاهيمي بين الدولة والحكومة، متغافلاً عن الفوارق الجوهرية التي تجعل من الدولة كياناً استراتيجياً ثابتاً ومن الحكومة أداة وظيفية متغيرة؛ فالدولة في كينونتها العميقة تقوم على ثالوث بنيوي لا يقبل التجزئة، يشمل الأرض كمسرح وجداني وجغرافي ممتد لا يطاله الفناء والشعب ككتلة حية نابضة بالاستمرارية التاريخية، والحكومة كجهاز إداري وتنظيمي مؤقت، وبناءً عليه فإن الدولة هي الأصل الباقي بعبق ترابها وعنفوان شعبها، بينما تظل الحكومة مجرد هيئة تدبيرية طارئة تستبدل وفق مقتضيات الزمان وتبدلات الإرادة.

اخبار سوريا.
الخلط بين الحكومة والدولة.

وتتجلى الخطيئة المعرفة في هذا الخلط بكونه قفزاً فوق الحقائق السياسية والقانونية، فبينما تمثل الدولة " السيادة" بوصفها شخصية اعتبارية خالدة تجسد وحدة الكيان، تمثل الحكومة "السلطة" بوصفها هيئة إجرائية مفوضة لإدارة شؤون تلك السيادة لفترة زمنية محددة، فالدولة هي الوعاء الحضاري والثابت الجغرافي الذي لا يزول، أما الحكومة فهي مجرد عارض سياسي ومظهر من مظاهر التنظيم داخل هذا الوعاء، تخضع للتبديل والمساءلة دون أن يمس رحيلها جوهر الدولة أو قدسية ترابها، وبذلك يظل الخلط بينهما ارتباكاً فادحاً في فهم التراتبية بين الأصل الوجودي والفرع الإداري.

إن هذا الاستلاب الذهني ينم عن عجز في التفريق بين "الوطن" كمبداً مطلق، و"الإدارة" كمتغير نسبي، حيث يعمد البعض - رهبة أو جهلاً إلى تقديس الأداة ظناً أنها الغاية، مما يمنح "العابر" هيبة "الخالد"، ويجعل من الموظف مالكاً للدار، في حين أن الحقيقة الصارخة تؤكد أن البيوت تعرف بسكانها وتاريخ ترابها، لا بأسماء من يمسكون مفاتيحها لموسم واحد، فخطورة هذا التزييف تكمن في تحويل النقد المشروع الممارسة السلطة إلى اتهام بالخروج عن ثوابت الدولة، وهو خلط لا يستقيم ومنطق العقل أو فقه السياسة.


وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن الحكومة ما هي إلا "فصل" في كتاب، بينما الدولة هي "المجلد" كاملاً بجلده وصفحاته وتاريخه، فالإنسان الواعي هو من يقرأ السياق التاريخي العظيم في كليته، ولا يحبس وعيه بين سطرين عابرين أو مرحلة عارضة؛ فالحكومات تذهب وتجيء كالفصول الأربعة، أما الدولة فباقية كالأرض، راسخة كالجبال وعميقة كجذور الشعب الذي لا ينكسر، فمن أراد أن ينطق باسم الوعي، عليه أولاً أن يتأدب في حضرة الفارق بين جسد الوطن وبين الثياب التي يرتديها في كل حين.

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -